ابن كثير
200
البداية والنهاية
عبد الله بن عبد العزيز العمري ( 1 ) أدرك أبا طوالة ، وروى عن أبيه وإبراهيم بن سعد ، وكان عابدا زاهدا ، وعظ الرشيد يوما فأطنب وأطيب . قال له وهو واقف على الصفا : أنتظركم حولها - يعني الكعبة - من الناس ؟ فقال : كثير . فقال : كل منهم يسأل يوم القيامة عن خاصة نفسه ، وأنت تسأل عنهم كلهم . فبكى الرشيد بكاء كثيرا ، وجعلوا يأتونه بمنديل بعد منديل ينشف به دموعه . ثم قال له : يا هارون إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه ، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين كلهم ؟ ثم تركهم وانصرف والرشيد يبكي . وله معه مواقف محمودة غير هذه . توفي عن ست وستين سنة . ومحمد بن يوسف بن معدان أبو عبد الله الأصبهاني ، أدرك التابعين ، ثم اشتغل بالعبادة والزهادة . كان عبد الله بن المبارك يسميه عروس الزهاد . وقال يحيى بن سعيد القطان : ما رأيت أفضل منه ، كان كأنه قد عاين . وقال ابن مهدي : ما رأيت مثله ، وكان لا يشترى خبزه من خباز واحد ، ولا بقله من بقال واحد ، كان لا يشتري إلا ممن لا يعرفه ، يقول : أخشى أن يحابوني فأكون ممن يعيش بدينه . وكان لا يضع جنبه للنوم صيفا ولا شتاء . ومات ولم يجاوز الأربعين سنة رحمه الله . ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة فيها قتل أهل طبرستان متوليهم مهرويه الرازي ، فولى الرشيد عليهم عبد الله بن سعيد الحرشي . وفيها قتل عبد الرحمن الأنباري أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة . وفيها عاث حمزة الشاري ببلاد باذغيس من خراسان ، فنهض عيسى بن علي بن عيسى إلى عشرة آلاف من جيش حمزة فقتلهم ، وسار وراء حمزة إلى كابل وزابلستان . وفيها خرج أبو الخصيب فتغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحاصر مرو وقوي أمره . وفيها توفي يزيد بن يزيد ببرذعة ، فولى الرشيد مكانه ابنه أسد بن يزيد . واستأذن الوزير يحيى ( 2 ) بن خالد الرشيد في أن يعتمر في رمضان فأذن له ، ثم رابط بجنده إلى وقت الحج . وكان أمير الحج في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس . وفيها توفي : عبد الصمد بن علي ابن عبد الله بن عباس عم السفاح والمنصور . ولد سنة أربع ومائة ، وكان ضخم الخلق جدا ولم يبدل أسنانه ، وكانت أصولها صفيحة واحدة ، قال يوما للرشيد : يا أمير المؤمنين هذا المجلس
--> ( 1 ) واسمه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( 2 ) كذا بالأصل والطبري ، وفي ابن الأثير 6 / 168 : جعفر بن يحيى بن خالد .